تاريخ الصحافة الساخرة في الوطن العربي

  الصحافة الساخرة لون مميز ونادر من ألوان وأشكال الصحافة، صعب أن تنمو وتثمر في بيئة لا تؤمن بحرية الراي وتعدد الآراء، فهي فن تتعدد اشكاله ما بين الكاريكاتير والمقالة الساخر ومشتقاتهما كالكومكس والتعليقات القصيرة الساخرة، وهي تتطلب مواهب نادرة فالكتابة الجادة للصحافة ممكن ان تجد الكثير لكن الصحفي الساخر لا يمكن ان تجده بسهولة وربما ذلك ما يجعل من هذه الصحافة نادرة وصعبة التطور في عالمنا العربي، سنسلط الضوء في هذا التقرير الصحفي عن تاريخ الصحافة الساخرة في الوطن العربي

مصر

    يقترب عمر الصحافة الساخرة في الوطن العربي من القرن والنصف، فمجلة أبو نظارة ليعقوب صنوع التي صدرت عام 1878 تعتبر أول صحيفة هزلية كاريكاتيرية في الشرق. والتي من خلالها ابتكرت شخصية “شيخ البلد” وكان يرمز بها إلى الخديوي إسماعيل، وشخصية أبو الغلب التي ترمز للفلاح المصري.

وأطلقت من باب السخرية على الخديوي توفيق لقب الخديوي “توقيف”، وعلى مصطفى رياض باشا الذي ترأس الوزارة ثلاث مرات اسم الوزير “المشخلع”، وعلى نوبار باشا أول رئيس لوزراء مصر لقب “غوبار” باشا.

ثم أتى بعدها مجلة التنكيت والتبكيت لعبد الله النديم عام 1881، وكانت أول مجلة أسبوعية أدبية هزلية، ثم صدر بعدها مجموعة كبيرة من الصحف الساخرة مثل: حمارة منيتي، أبو نواس، الكرباج، العفريت، الخلاعة، المسامير، الظرائف، مسامرات النديم ومجلة هاها وغيرها.

وفي نفس وقت صدور المجلات والصحف الساخرة كان هناك انتشار للمقالات الساخرة مع بداية القرن العشرين في العديد من الصحف مثل: اللطائف المصورة، سركيس، كل شيء، روز اليوسف، آخر ساعة، الاثنين، الصاعقة والمطرقة وغيرها.

في عشرينيات القرن الماضي تطورت الصحافة الساخرة بشكل كبير، وبلغت الذروة في الأربعينيات بظهور صحف جديدة مثل: الكشكول، خيال الظل، الفكاهة، ألف صنف، الغول، الخازوق، أبو قردان، البغبغان، اشمعنى، البعبوكة والضحك.

ورغم العدد الكبير من كتاب المقالات الساخرة في العالم العربي وفي مصر خصوصاً، إلا إن فقرة “نص كلمة” للكاتب الصحفي أحمد رجب في جريدة الأخبار والذي كان فيه يكتب بطريقة ساخرة وراقية في نفس الوقت تجاه الكثير القضايا الاجتماعية والسياسية، أوصلته هذه الفقرة إلى نخبة الكتاب الساخرين في مصر والوطن العربي.

ولا يمكن أن ننسى الكاتب الراحل جلال عامر والذي يعد من أبرز الكتاب الساخرين في العصر الحديث، والذي عرف نفسه قائلاً: “أنا لا كاتب ساخر ولا سروجي سيارات! كان نفسي أطلع محلل إستراتيجي لكن أهلي ضغطوا علي لأكمل تعليمي” ،”أنا مجرد كاتب يرفض أن يتحول إلى قهوجي عند القراء أو سفرجي عند الحكومة” ،”أنا صعلوك عابر سبيل، ابن الحارة المصرية، ليس لي صاحب، لذلك كما ظهرت فجأة سوف أختفى فجأة فحاول تفتكرني”.

سوريا

أما في سوريا فقد شهدت في القرن الماضي قفزة صحفية نوعية. حيث صدرت الكثير من العناوين الساخرة لعل أشهرها صحيفة المضحك المبكي لصاحبها حبيب كحالة الذي يعد رائد الصحافة السورية الساخرة.

وكانت أسبوعية سياسية ساخرة تزخر بالرسومات الكاريكاتيرية التي كان يرسمها ابنه سمير كحالة. وابتدعت المضحك المبكي العديد من الشخصيات الطريفة مثل السياسي الحشاش وأبو الشمقمق والأستاذ المقص وشخصية الحمار.

كما ظهرت الصحيفة الهزلية حط بالخرج عام 1909 لصاحبها فخري البارودي التي تعرضت للغلق عدة مرات بسبب انتقادها الساخر للحكومة والدستور العثمانيين.

ولما توقفت عن الصدور نهائيا، أعاد هاشم خانكان إصدارها عام 1924 بنفس العنوان حط بالخرج وكتب أنها امتداد لصحيفة البارودي. وكانت جريدة خانكان أسبوعية سياسية ساخرة.

وشهدت تلك الفترة ظهور الصحافة الساخرة في كل أرجاء سوريا، حيث حملت بعض العناوين تسميات غريبة، نذكر منها جريدة مسخرة في حلب، وجريدة أعطه جملة في دمشق اللتان صدرتا عام 1909.

بينما شهد العام الموالي صدور عناوين ساخرة مثل جريدة الحمارة التي صدرت في بيروت ثم انتقلت إلى دمشق، وجريدة كشكول في حلب، وجريدة النفاخة في دمشق، وجريدة ضاعت الطاسة في حمص، واستمر ذلك الحماس عام 1911 بصدور جريدة المكنسة في حماة، وجريدة “المرسح” في حلب، وجريدة جحا في دمشق.

الا ان سوريا المستقلة شأنها شأن مصر عرفت انحسارا رهيبا للصحافة الساخرة والمستقلة قبل زوالها. وكان علينا انتظار عام 2000 لنشهد ميلاد صحيفة “الدومري” كأول صحيفة مستقلة مرخص لها منذ عام 1963.

خصوصا بعد الرواج الكبير الذي عرفته صحيفته بتناولها قضايا مصادرة الحريات، ضعف الاقتصاد، الحرب على الإرهاب، والتعذيب والرشوة. الأمر الذي أزعج السلطة السورية التي بادرت بغلق الصحيفة عام 2003. ومن يومها لم يعد للصحافة السورية الساخرة شأن يذكر.

وكان صاحبها الفنان السوري رسام الكاريكاتير علي فرزات الحائز على عدة جوائز دولية. وكان يؤمن أن التغيير قد يأتي عن طريق النكتة والكاريكاتير، وقد حصل على دعم وضوء أخضر من أعلى سلطة سياسية، خصوصا بعد الرواج الكبير الذي عرفته صحيفته بتناولها قضايا مصادرة الحريات، ضعف الاقتصاد، الحرب على الإرهاب، والتعذيب والرشوة. الأمر الذي أزعج السلطة السورية التي بادرت بغلق الصحيفة عام 2003. ومن يومها لم يعد للصحافة السورية الساخرة شأن يذكر.

الأردن

بالأردن اعتبرت الكتابة الساخرة في المملكة من أنجح التجارب العربية، وقد تطور هذا اللون من الكتابة بالأردن خاصة منذ عام 1983 ، وذلك عبر زاوية “شاهد عيان” للكاتب محمد طملية والتي تعد أول زاوية ساخرة في صحيفة أردنية ، حيث صار اللون الساخر في الصحافة يصدر بشكل منتظم لأول مرة ، لكن ذلك لم يتبعه ظهور صحف ساخرة كما شهدته الساحتان المصرية والسورية.

المغرب

بالمغرب الأقصى بلغت الكتابات الساخرة مستويات مقبولة، وتوقع لها المهتمون التطور لولا التضييق الذي تعرضت له. فقد تم اغلاق نافذة الشاعر عبد الرفيع الجواهري وإيقاف الكثير من اعمال الفنان الساخر أحمد السنوسي الشهير بلقب “بزيز” ومنع عروضه الساخرة ، وهو صاحب المقولة الشهيرة: “لو كنت وزير الفلاحة لأمرت بالإكثار من زراعة بذور الضحك”، ومتابعة الصحفي علي لمرابط قضائيا نتيجة تندره من شخصيات ورموز عامة، وكذلك تم توقيف جريدتيه الساخرتين والحكم عليه بعدم مزاولة مهنة الصحافة لعشرة.

وقد استنفذ لمرابط عقوبته عام 2015 وأصر على مواصلة الكتابة الساخرة من خلال إصداره لمجلة ساخرة وموقع إلكتروني يحمل اسم الغد Demain وهو نفس الاسم الذي كانت تحمله إحدى جرائده المصادرة.

وكذلك تم ايقاف مجلة نيشان بمسوغ تطاولها على الدين الإسلامي كما جاء في قرار الغلق.

الجزائر

في الجزائر إبان الحقبة الاستعمارية صدرت البستان عام 1939 وهي صحيفة أسبوعية ساخرة. أصدرها ابراهيم أبو اليقظان مستعملا اسما مستعارا هو عيسى تعموت.

وقبلها عام 1934 بقسنطينة صدرت نشرة فكاهية ساخرة بعنوان أبو العجائب على يد محمد العابد الحلالي، والتي لم يصدر منها إلا ما يقرب من عشرة أعداد. في حين أصدر أحمد رضا حوحو وبوشمال والصادق حماني عام 1949 جريدة بعنوان الشعلة وقد تصدت بأسلوب ساخر لكل ما مس المجتمع الجزائري.

كان علينا انتظار نهاية ثمانينيات القرن الماضي لنقف شاهدين على الانفجار الإعلامي الذي أتاحه دستور 1989 والذي سمح في غضون عامين فقط (1989ـ1991) بظهور ما ينيف عن 140 عنوان إعلامي، كان للإعلام الساخر نصيب منها من خلال بعض العناوين مثل الصح آفة والسمسار.

ويمكن القول أن السلطة ورغم دخولها تجربة التعددية، إلا أنها لم تستطع استيعاب الآراء المخالفة وتقبل الأفكار المتعددة والحرة. لذلك لجأت إلى إجراءات تعسفية للتضييق على حرية الصحافة، تراوحت بين التعليق والغلق والابتزاز الاقتصادي من خلال منع الإشهار، ووصلت إلى حد السجن.

وكانت الصحف الساخرة من أوائل ضحايا سياسة التضييق. رغم أن جريدة الصح آفة حاولت من البداية أن تتحرر من الرقابة برفضها نشر الإعلانات التجارية مكتفية بعائدات مبيعاتها، ساعدها في ذلك الانتشار الواسع الذي حققته.

لكن لما طال انتقادها بطريقة ساخرة أعلى هرم السلطة، تم إيقافها بعد إلغاء المسار الانتخابي عام 1992. كما اختفت صحيفة المنشار باللغة الفرنسية بعدها بوقت وجيز.

في ذلك الظرف الاستثنائي الذي مرت به الجزائر حاول الأديب الراحل محمد نطور وزميله محمد زتيلي الروائي الساخر صاحب عودة حمار الحكيم أن يكسرا حاجز الخوف الذي صنعته آلة الإرهاب التي بدأت تحصد آلاف الأرواح فأسسا منتصف التسعينيات أسبوعية بعنوان مسمار.

لكن وكما يقول زتيلي فيما بعد: لقد قادتني كتاباتي الإعلامية الساخرة في الجريدة إلى السجن، لأن المرحلة التي مرت بها الجزائر لا تحتمل السخرية، فهو أسلوب صعب الكتابة وصعب التقبل رغم حب القراء والناس له.

ومن يومها لاقت الصحافة الساخرة بالجزائر نفس مصير مثيلاتها بكل من مصر وسوريا.