اختفاء الصحافة الساخرة

بحثا عن إجابة وافية وسط الإعلاميين والمهتمين

لماذا اختفت الصحافة الساخرة في الإعلام القطري؟

الرميحي : طبيعة المجتمع الخليجي لا يتقبل مثل هذا النوع من الصحافة

السليطي: المجتمع يرى أن النقد بالسخرية تجاوز لحدوده التي وضعها لنفسه

آل محمود: هل لدينا صحافة أصلا حتى تكون لدينا صحافة ساخرة؟

العمادي: نحتاج إلى نشر ثقافة النقد الساخر عبر الصحافة الساخرة أولا

الخاطر: تزدهر في مجتمع مستوى التحمل فيه مرتفع ليتجاوز الشخصنة إلى موضوع الفكرة نفسها

تحقيق: يوسف أحمد

رغم أهميتها ومكانتها في عالم الصحافة خاصة، والأدب والفنون بشكل عام، إلا أنها تكاد تختفي بشكل كبير من صحافتنا المحلية، عن الصحافة الساخرة أتحدث، والتي تعتبر من الأساليب الراقية للنقد البناء في المجتمع، لعل هناك أسباب عديدة تقف خلف هذا الاختفاء ويتحمل مسؤولية ذلك جميع الأطراف ، على الرغم أن الناس بطبيعتها تحب الضحك والنكت وتبحث عن شيء يلامس أرواحها بالكلمة الجميلة المبهجة، فالفن الساخر جزء أساسي من حياتها اليومية، لكن عندما يصل الأمر للنقد تختلف الموازين، وهو ما يدفعنا لطرح هذا السؤال على نخبة من الإعلاميين القطريين لمعرفة آرائهم حول سبب اختفاء الصحافة الساخرة في الإعلام القطري بكافة ألوانه.

البداية كانت مع الأستاذ سعد الرميحي رئيس مجلس إدارة المركز القطري للصحافة وكانت اجابته: صدقت لا توجد صحافة ساخرة في الإعلام القطري ،،

وللحق اختفت الصحافة الساخرة في الصحافة الخليجية بالذات، لاعتبارات عديدة ومن أهمها طبيعة المجتمع الخليجي لا يتقبل مثل هذا النوع من الصحافة، وقد تكون صحيفة القبس الكويتية الوحيدة التي تبنت مثل هذه الصحافة عندما اصدرت في سبعينات القرن الماضي ملاحق اسبوعية، وكان هناك ملحق اسبوعي ساخر اسمه “القبس الضاحكة” يصدر كل يوم أحد، إذا لم تخني الذاكرة، كان ينهج الأسلوب الساخر في نقده للأوضاع المحلية الكويتية، ولكنه لم يستمر سوى لفترة  وجيزة.

وفي المملكة العربية السعودية كانت هناك صفحة أسبوعية في إحدى الصحف أو المجلات (نسيت اسمها) لكاتب اسمه بو عكوس، كان ينتقد بعض الحالات بأسلوب ساخر، ولكن الصفحة هذه في تلك المطبوعة لم تستمر طويلاً فتوقفت.

وفي قطر كان الزميل الاستاذ أحمد علي رئيس تحرير الراية ثم الوطن من أكثر رؤساء التحرير العرب والذي استخدم الأسلوب الساخر  في كتاباته، ولكن تعرض لردّات فعل سلبية واستياء ممن قام بانتقادهم.

لذلك فالصحافة الساخرة لا يوجد لها موقع في الصحافة الخليجية بوجه عام والصحافة القطرية على وجه الخصوص.

ثقافة المجتمع القطري

بدوره تحدث عن هذا الموضوع الأستاذ أحمد السليطي رئيس تحرير جريدة الوطن سابقا فقال:

أي نوع من الإبداع البشري لابد وأن يكون خاضعاً لثقافة المجتمع وحدوده التي يرسمها لنفسه، سواء كانت هذه الحدود دينية أو  أعراف أو عادات وتقاليد تناقلتها الأجيال وتكيّفت على جعلها ضوابط يُقاس عليها ما هو مقبول وما هو منبوذ في كل مجتمع. ومن المعروف عن المجتمع القطري وسطيته واتزانه في التعامل ما بينه البين ومع الخارج سواء كان هذا التعامل في التواصل  الاجتماعي أو التبادل التجاري أو حتى الانتقاد أو الإشادة بالأشخاص والأمثلة على ذلك كثيرة ومنها على سبيل المثال تقال “سوّد الله  وجهك” أو “بيّض الله وجهك” وهي موروث ديني من قوله تعالى : ( يوم تبيض وجوه وتسود وجوه )، أو كانوا قديماً عند الانتقاد يصفون الطرف الاخر ب”الهيس الأربد” وتعني الأسد الهزيل، وهذان المثالان يعطيان صورة واضحة عن ثقافة المجتمع القطري، وما الإعلام القطري إلا امتداد لهذه الثقافة والحدود والضوابط، فلذلك لا نرى الصحافة الساخرة في الإعلام القطري كون أن المجتمع القطري يرى أن النقد بالسخرية تجاوز  لحدوده التي وضعها لنفسه من موروثه الديني والاجتماعي.

لا يتقبله المجتمع

الأستاذ فهد العمادي مدير تحرير جريدة الوطن:

الصحافة الساخرة كانت تعتبر سُلطة حقيقية تقيم الدنيا ولا تقعدها وتعتبر من أرقى وأصعب أنواع الصحافة، واختفت لأنه تحاصرنا  كثرة الموانع والحواجز وأصبح المجتمع لا يتقبله خاصة مع الجيل الجديد وظهور وسائل التواصل الاجتماعي.

هل لدينا صحافة؟

بكل حدة واعتراض على الفكرة نفسها عبر الأستاذ عبد العزيز آل محمود رئيس تحرير جريدة الشرق سابقا عن هذا الموضوع فقال:

وهل لدينا صحافة أصلا حتى تكون لدينا صحافة ساخرة!!

الصحافة الساخرة هي نتاج كوميدي للصحافة، وحتى تكون لديك صحافة ساخرة يجب ان تكون هناك موافقة من السلطة عليها، مثلا، برنامج طاش ما طاش السعودي كان بموافقة وبركات السلطة في ذلك الوقت ولن يسمح له أو بمثله حاليا.

كان لدينا مسرح سابقا، ممكن ان نطلق عليه مسرح ساخر، اين هو الان؟

من أدوات النقد البناء

الأستاذ عبدالله العمادي نائب رئيس تحرير جريدة الشرق سابقا شرح هذه الأسباب عندما رد على السؤال قائلا:

الصحافة الساخرة تشتهر بها كثير من الدول التي يتمتع صحفيوها بقدر كبير من حرية التعبير دون خشية ملاحقات من هنا وهناك. وهذا النوع من الصحافة أداة من أدوات النقد البناء بشكل عام إذا تم استخدامها بشكل يتوافق مع أدبيات وأخلاقيات الصحافة.

وانتاج مثل هذا النوع من الصحافة الساخرة كالأدب الساخر، يحتاج ثقافة إعلامية واسعة، وحس فكاهي لدى الكاتب أو رسام  الكاريكاتير، يستطيع به ايصال الرسالة بشكل فكاهي أو ساخر دون مس الذوات البشرية بشكل مهين.

في قطر، نفتقد مثل هذا النوع، نظراً لطبيعة صحفنا المحافظة – أكثر من اللازم – أو إن صح التعبير، ملكية أكثر من الملك، خاصة بعد إلغاء الرقابة في أواسط التسعينيات.

كما أن طبيعتنا كمجتمع قطري، لا يتقبل إلى الإن مثل هذا النوع برحابة صدر وتفهم، وهذا يرجع  لنوعية الثقافة التي تربى عليها، إذ أن عدم تفهم رسالة الصحافة الساخرة، تؤدي إلى شخصنة القضايا وما ينتج عنها  من توترات قد تصل إلى منازعات ومحاكم وتعقيدات،  وهذا ما يفسر لك قلة هذا النوع من الصحافة بشكل عام في العالم العربي الذي نحن جزء منه، فيما ترى  الأمر طبيعيا ومقبولا في العالم الغربي على سبيل المثال.

ولهذا أجد أن الأمر يحتاج إلى نشر ثقافة النقد الساخر عبر الصحافة الساخرة أولا، والهدف المرجو من ذلكم  النوع من النقد قبل أن يتم  تجسيده وتطبيقه على أرض الواقع.

مستوى من التعبير مرتفع

ختاما مع الكاتب والمفكر الأستاذ عبدالعزيز الخاطر والذي أجاب على هذا التساؤل موضحا وجهة نظره قائلا: السبب في اختفاء الصحافة الساخرة هو أن الصحافة الساخرة تزدهر في مجتمع فيه مستوى التحمل مرتفع بشكل يتجاوز الشخصنة إلى موضوع الفكرة نفسها، طالما هناك  خلط بين الشخص أو المنصب والفكرة عنه. تتحول الصحافة الساخرة إلى سخرية شخصية من المنصب أو من الشخص صاحبه ثم أن الصحافة الساخرة مستوى من التعبير مرتفع يتطلب بناء صحفي قوي يكون متواجداً في المجتمع سواء من صحفيين وقراء لديهم فهم عال. لأهمية الصحافة بشكل عام في تنوير المجتمع وبالتالي يصبح الكاريكاتير أو فن السخرية أداة توعيه. أكثر منه أداة ترصد وشخصنة في ذهنية القارئ.